الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

154

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَطَمَعاً [ سورة الرعد : 12 ] . والمقصود تحذيرهم من الإصرار على الشّرك بتحذيرهم من حلول العقاب في الدنيا في مقابلة استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة ، ذلك أنهم كانوا في نعمة من العيش فبطروا النعمة وقابلوا دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالهزء وعاملوا المؤمنين بالتّحقير وقالوا لو نزل هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] - وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [ المزمل : 11 ] . فذكرهم اللّه بنعمته عليهم ونبههم إلى أنّ زوالها لا يكون إلّا بسبب أعمالهم السيّئة بعد ما أنذرهم ودعاهم . والتغيير : التبديل بالمغاير ، فلا جرم أنه تهديد لأولي النعمة من المشركين بأنهم قد تعرضوا لتغييرها . فما صدق ما الموصولة حالة ، والباء للملابسة ، أي حالة ملابسة لقوم ، أي حالة نعمة لأنها محل التحذير من التغيير ، وأما غيرها فتغييره مطلوب . وأطلق التغيير في قوله : حَتَّى يُغَيِّرُوا على التسبب فيه على طريقة المجاز العقلي . وجملة وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ تصريح بمفهوم الغاية المستفاد من حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ تأكيدا للتحذير . لأن المقام لكونه مقام خوف ووجل يقتضي التصريح دون التعريض ولا ما يقرب منه ، أي إذا أراد اللّه أن يغيّر ما بقوم حين يغيرون ما بأنفسهم لا يردّ إرادته شيء . وذلك تحذير من الغرور أن يقولوا : سنسترسل على ما نحن فيه فإذا رأينا العذاب آمنا . وهذا كقوله : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ [ سورة يونس : 98 ] الآية . وجملة وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ زيادة في التحذير من الغرور لئلا يحسبوا أن أصنامهم شفعاؤهم عند اللّه . والوالي : الذي يلي أمر أحد ، أي يشتغل بأمره اشتغال تدبير ونفع ، مشتق من ولي إذا قرب ، وهو قرب ملابسة ومعالجة . وقرأ الجمهور مِنْ والٍ بتنوين والٍ دون ياء في الوصل والوقف . وقرأه ابن كثير - بياء بعد اللام - وقفا فقط دون الوصل كما علمته في قوله تعالى وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ في هذه السورة الرعد [ 33 ] . [ 12 ، 13 ] [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 12 ] هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ( 12 )